New
الأربعاء , 11 ديسمبر 2019

أستاذ عادل إمام .. طظ في حضرتك!!

أحمد عفيفي

كتب: أحمد عفيفي – الدستور

منذ شهور كتبت مقالا بعنوان ” محمد يا صبحي.. يحموك في كنكة ” وقامت الدنيا ولم تقعد ، وتعليقات تعدت الـ 180 ، شتيمة في العبد لله .. وكان موضوع المقال لمن لم يقرأه التناقض الرهيب بين أعمال محمد صبحي المسرحية وبين موقفه المخزي من الثورة والثوار ، وانحيازه الأعمى للمجلس العسكري في عز انتهاكاته لكرامة عيالنا وبناتنا.

وهذا المقال عن عادل إمام ، وأنا اعرف من هو عادل إمام وشعبيته الكاسحة ، وقد كنت واحدا من أشد المبهورين به وبأعماله غير الكوميدية ، تلك التي تعاون فيها مع وحيد حامد والمخرج شريف عرفه .. لكن قبل الثورة بقليل واثنائها ، كرهته لدفاعه الغبي عن مبارك وابنه الذي كان إمام يراه الحاكم الأمثل لمصر .. ثم بعد الثورة ونجاحها حاول ” يلم نفسه ” ويعدل موقفه ، فلم يجد إلا نظرات احتقار مِن مَن أضحكهم كثيرا ، ثم فوجئوا انه كان يضحك عليهم.

وبالتأكيد لست مع من رفعوا قضية ضد عادل إمام بتهمة ازدراء الأديان أو اتهامه بالإساءة لستات مصر في ” شاهد ماشفش حاجة ” ، عندما قال : لو كل واحد عزل عشان ساكنه تحته رقاصة ، يبقى البلد كلها حتنام في الشارع ..  ولا أتمنى بالقطع ان يقبع عادل إمام في السجن ساعة واحدة ” مش 3 شهور ” .. وأنا مع حرية الإبداع والرأي أكيد .. لكن – وهنا المشكلة – كيف أسمح بحرية الرأي لمن لا رأى له يتوافق مع ما كان يقدمه من أعمال احسبها ثورية بالدرجة الأولى.. وساعة الجد أجده يتوارى عن الأنظار ويعطي ظهره لمن قام عن طريق أعماله بتحفيزهم على الثورة على النظام ، باعتباره واحد من الشعب يحس بآلامه وينكوي بناره ، هذه إشكالية غريبة وعجيبة تجعلنا نعيد النظر كلية في حكاية الإبداع وأهله.

الفنان قيمة وقامة .. فلا يصح أن تتنافى أفعاله مع رؤاه في أعماله إلا إذا اعترف وقال أنا مجرد مشخصاتي .. ممثل، أتقن دوري ولا علاقة لي بما في عقل الكاتب أو المخرج وما يريده أن يصل إلى المتلقي.. في هذه الحالة سنعامل هذا الشخص ولا أقول الفنان على قدر اعترافه بحجمه ، وانه مجرد أداة توصيل معنى ليس أكثر ، وربما أعربنا عن إعجابنا به من باب انه يأتي بما يناقض شخصيته تماما .. فقد يكون ” هلاس ” ويؤدي دور رجل دين محصلش .. وممكن جدا يبقى راجل في بيته ” سي السيد ” ، وعلى الشاشة ديوث يستعذب الفحش في أهله .. لكن في العموم من المفترض أن الفنان في أفلام بعينها إذا ما ظهر منه في الواقع عكس فكرتها ومغزاها ، فلا يستحق لقب فنان أبدا ، ولا حتى مشخصاتي ، بل اعتبره مخادعا .. كذابا.. لا يستحق احترام الناس وتقديرهم.

ومن هذه النوعية كثيرون جدا .. يحي الفخراني مثلا الذي قدم لنا ” سكة الهلالي وللعدالة وجوه كثيرة وشيخ العرب همام ” .. كان في هذه الأعمال مجرد مؤد ليس أكثر لأنه ساعة الجد – واقصد هنا أيام الثورة وبعدها – توارى كالفئران ، بل أنني اعتبر زوجته لميس جابر رغم عفانة أفكارها ، إلا أنها صاحبة رأى وموقف ، إنما الفخراني لا كان مع ، ولا ضد ، وهذا إن دل على شيء ، إنما يدل على رعونة وعدم رجولة وما كان يقدمه لنا ضحك ع الدقون.

أيضا نور الشريف الذي قدم زمان ” الكرنك وأهل القمة وسواق الاتوبيس وليلة ساخنة .. وأه من ليلة ساخنة ”  ثم سلسلة أعماله التليفزيونية الرائعة وأخص منها ” عمر بن عبد العزيز ”  خامس الخلفاء الراشدين .. حفيد الفاروق عمر بن الخطاب الذي قيل فيه وعنه ” حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر ”  .. هذا المسمى نور الشريف كان موقفه مثل موقف الفخراني .. ” صم بكم عمي ” .. انكتم كتمة الموت والناس بتموت في الميادين ..لا قال انا مع الثورة ولا مع النظام.ونأتي للزعيم الأونطة صاحب القضية الآن والذي تُرفع اللافتات تطالب بعدم حبس حرية الفكر والإبداع ، وتعتبر عادل إمام من الثوار الأحرار وهو لا عمره كان ثائرا ولا حرا ، إلا على الشاشة،  إنما في الحقيقة أرنب وخوّاف و” بتاع نفسه ” .. على رأى حجا مادام بعيد عن “…. ” يبقى مفيش مشكلة .. الانفصام في الشخصية ينطبق تماما على الزعيم الأونطجي .. لو تشوفه في ” الإرهاب والكباب ”  في لقطة عبقرية وهو يقول : انا مش عايز حاجة .. عايز أعيش بس زي البني ادمين .. لا اتهان في بيت ولا في شارع ولا اقف ساعتين في طابور عيش .. متهيألي دي مطالب عادية وعادلة جدا مش ممكن أتحاكم عليها ” .. أبكاني والله وانا اسمعه ، وافتكرت انه بيتكلم جد .. لو تشوفه في ” اللعب مع الكبار”  وهو بيقول في نهاية الفيلم : انا حا حلم .. حا حلم .. حا حلم ، وحسين فهمي الضابط يصوّب مسدسه في إيحاء مباشر أن الحلم يحتاج لقوة السلاح .. لو تشوفه في ” النوم في العسل ” وصرخته الأخيرة أمام مجلس الشعب مع الجموع المكلومة ” آه .. أه .. أه “ تقول الحرب قامت، وإمام في الصفوف الأولى.. لو تشوفه في ” المنسي ” وهو مصمم ياخد حقه من الكبار الملاعين بعد علقة سودا أخدها تفتكر انه واحد مننا بجد .. لو تشوفه في ” الغول ” والساطور في ايده بيجيب حق كل الغلابة من الراجل الكبير تقول عليه زعيم بجد .. ولو تشوفه في مسرحية ” الزعيم ” وهو بيفضح مبارك شخصيا ، تقول انه لو شافه وجها لوجه حيضربه بالجزمة .. لكن كل ده تمثيل في تمثيل .. فلا تقوللي حرية رأى ولا حرية إبداع .. ندافع عنه آه عشان عنده عيال ، ومايدخلش السجن ، وعشان مايخدش في رجليه المبدعين عن حق اللي أد كلمتهم .. اللي بيعملوه قدامنا على الشاشة هو نفسه اللي بيقولوه ع القهوة وفي المجالس العامة .. فبلاش وحياة أبوكم الكلام عن الحرية والزعيم وصاحب الكلمة والكلام الكبير ده اللي لا يودي ولا يجيب .. حطوا كل واحد في حجمه الطبيعي .. بلا زعيم بلا زفت.

عادل إمام مخادع بدرجة امتياز .. جبان وأعيدها.. جبان .. هو كان يعرف يقينا أن نظام مبارك كان نظاما غبيا حقيرا يستاهل الضرب بالقديمة .. وبسبب هذا النظام وقف إمام يشحت في ” المتسول ” وطفش م البلد عشان لقمة العيش في ” عنتر شايل سيفه ” وسرق عشان يعيش في ” رمضان فوق البركان ” ، فمن الطبيعي على الأقل بينه وبين نفسه انه يكون ناقما على هذا النظام رغم انه كعادل إمام لا يضيره هذا النظام في شيء والفلوس على قلبه متعدش .. لكن من قال ان الفقير فقط هو الذي يثور .. هى دي المفاجأة المذهلة في ثورة 25 يناير ان اللي قاموا بيها من خيرة أبناء مصر ومن مثقفيها ومتعلميها .. عايز أقول يعني كان ممكن جدا العيال الحلوة دي خريجي الجامعات الأمريكية والألمانية والانجليزية يشتروا دماغهم .. ويربطوا الحمار مطرح ما الحمار عايز .. لكنهم قاموا بثورة لإيمان ويقين عندهم بأن ما يحدث في البلد لا يسكت عنه إلا خائن او عميل .. لذلك ضربوا مثالا رائعا في الصمود والتحدي وشجّعوا غيرهم الفقراء بجد أو لنقل أحرجوهم ، فنزلوا معهم وكانت ملحمة مدتها 18 يوم ..عظمة على عظمة يا مصر.

كان فين ساعتها عادل افندي إمام ؟ .. كان في البيت مع أم رامي ومحمد بياكل فتة وستيك ومارون جلاسيه .. طيب قال إيه الافندي ساعتها : شوية عيال في الميدان مش عارفين مصلحتهم ولا مصلحة البلد .. وبعد ما الثورة نجحت لو قال سي الافندي فيها شعر فلن نقبله منه ولن نصدقه .. ليته ” حط جزمة في بقه وسكت ” .. والله كان اشرف له.. لكن اللعب على الحبال نظام بهلونات غير محترم لا يليق بشعب أصيل وبلد كبير.

لذلك لا أتخيل أن ينطق القاضي في سبتمبر القادم بالحكم بالسجن على عادل إمام.. ليس احتراما وتقديسا لحرية الإبداع ، ولكن – وربما يقولها في منطوق الحكم – لأنه مجرد مشخصاتي أو أداة في يد المخرج .. لا عنده فكر ولا يحزنون.. حاجة كده مايعة .. تعالى يمين يجي يمين .. تعالى شمال يجي شمال .. خليك في النص ، حاضر يا افندم.. والفن الحقيقي مش كده .. الفن الحقيقي موقف ورأى ووجهة نظر أدافع عنها مادمت قدمتها وتجرأت على طرحها .. وعادل إمام لا صاحب موقف ولا عنده رأى ولا وجهة نظر يضحّي بعمره من أجلها .. لذلك اختم بالعنوان : استاذ عادل امام .. طظ في حضرتك!!

شاهد أيضاً

علاء رزق يكتب .. تمويل المشروعات وتفويض السيادة

علاء رزق يكتب .. تمويل المشروعات وتفويض السيادة