الإثنين , 17 يونيو 2019

تونس: السبسي يعود للسياسة عبر حزب مثير للجدل


منذ أن حصل حزب رئيس الوزراء التونسي السابق الباجي قائد السبسي والذي أطلق عليه اسم ‘نداء تونس’ على الترخيص القانوني في يونيو / حزيران الماضي، تكثّفت الاتهامات الموجّهة لهذا الكيان السياسي المثير للجدل.

وإذ يعتبر الائتلاف الحاكم في تونس بقيادة حركة النهضة الاسلامية، وقطاع واسع من القوى الثورية والاجتماعية، هذا الحزب نسخة من حزب التجمع المنحلّ (حزب الرئيس بن علي)، فإنّ الباجي قائد السبسي ورفاقه ينفون التهم ويؤكدون ان اتهامهم بكونهم فلولا لنظام المخلوع تمثّل محاولات لاقصائهم وخوفا مزمنًا من الاحتكام الى الشعب.

‘نداء السبسي’
تولى الباجي قائد السبسي الذي يبلغ من العمر 85 عامًا رئاسة الحكومة الانتقالية في تونس نهاية فبراير (شباط) 2011 في خضم عملية الانتقال الديمقراطي إثر استقالة محمد الغنوشي آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الذي أطيح به في 14 يناير (كانون الثاني) 2011.
وسلم قائد السبسي السلطة الى المجلس الوطني التأسيسي بعد أن اشرفت حكومته على الاعداد لانتخابات المجلس التأسيسي الذي يعمل حاليًا على صياغة دستور جديد للبلاد.

وسبق للسبسي أن تعهّد باعتزال العمل السياسي بعد ان ‘قام بواجبه’ و’أوصل تونس الى برّ الأمان’ وسلم مقاليد السلطة الى من انتخبهم الشعب.
لكنه عاد مع بدايات العام 2012 إلى الواجهة، مطلقًا نداءً سماه (نداء تونس) ودعا كافة القوى ‘الوسطية والديمقراطية’ والمؤمنة بالدولة المدنية الى الالتفاف من حوله، متعهّدًا بمعارضة الاسلاميين.
نضجت المبادرة وتحولت الى حزب قانوني، يقول المشرفون عليه ان لهم انصارا بمئات الالاف، وأنهم مستعدون لخوض غمار الانتخابات المقبلة والفوز.

‘التجمّع’ في حلة جديدة
الخميس الماضي، عقد الباجي قائد السبسي مؤتمرًا صحافيًا حظي باهتمام واسع من لدن وسائل الاعلام والمواطنين.
وتم الاعلان عن أسماء وقيادات الحزب بشكل رسميّ، وتتشكل الهيئة التنفيذية والهيئة الموسعة للحزب من وجوه سياسية ونقابية معروفة، وضمت كذلك عددًا من رموز وكوادر حزب بن علي المنحلّ، الأمر الذي أثار استياء القوى الاجتماعية الساعية الى القطيعة الكاملة مع عهد بن علي.

اعتبر السبسي خلال المؤتمر الصحافيّ أن الائتلاف الثلاثي الحاكم المنبثق عن انتخابات 2011 في تونس ‘فشل’ وأن مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد ‘توقف’ منذ أن تسلم السلطة الائتلاف الحالي، والذي اعتبر أن ‘شرعيته الانتخابية’ تنتهي يوم 23 اكتوبر المقبل.

كال السّبسي للحكومة عدة اتهامات، من بينها انها تسير بالبلاد نحو ‘الهاوية’، واقترح اللجوء الى حكومة بديلة، وتعيين شخصيات مستقلة على رأس وزارات السيادة التي تهيمن على غالبيتها (العدل والخارجية والداخلية) حاليا حركة النهضة.
وقال:’ الشرط الأساسي لإعطاء مصداقية للعمل الحكومي هو استقلال وزارات السيادة، حركة النهضة جزء من المشهد السياسي في تونس، لكن لا يمكن أن تحتكر المشهد السياسي’.
وبمجرّد انتهاء المؤتمر الصحافيّ، غصّ الفضاء الافتراضيّ بالاتهامات والتحاليل، فالباجي قائد السبسي حسب كثيرين بات يمثّل قوى ‘الفلول’ التي ترغب في العودة من النافذة بعد أن طردها الشعب من الباب، في حين يرى آخرون ان هذا الحزب سيكون أملا جديدا للتونسيين يخلّصهم من تعثّر مسيرة الانتقال الديمقراطي الذي يرون أن النهضة وحلفاءها هم المتسببون فيه.

وتتعالى الأصوات في تونس داعيةً إلى قطع الطريق أمام رموز النظام السابق بقرار سياسي يحمي البلاد من عودتهم وعودة الاستبداد، في حين يحذر آخرون من امكانية تحولهم الى ثاني قوة سياسية في البلاد ان فسح لهم المجال للعمل القانوني، فرجالات المال والاعمال، يقفون صفًّا واحدًا الى جانب السبسي حسب قراءات عديدة.

‘نداء تونس’ و’التجمع’.. نقاط التقاء
رغم اختلاف سياق تشكيل حزب نداء تونس عن سياق تشكيل حزب الرئيس بن علي، يقرّ الدكتور طارق الكحلاوي القيادي بحزب المؤتمر من اجل الجمهورية المشارك في الترويكا الحاكمة، بوجود نقاط تشابه عديدة.

يقول الكحلاوي للقسم العربي بإذاعة هولندا العالمية: ‘كلا الحزبين يعتمد في تركيبته على المزج بين طرفين، هما الدساترة البورقييين أو ما تبقى منهم (نسبة الى حزب الدستور الذي اسّسه بورقيبة)، وبعض اليسار التونسي الذي يعتبر الاسلاميين والظلاميين خصمًا رئيسًا وكان يوصف باليسار الانتهازي لأنه يبرر أي نشاط له بمعارضة الاسلاميين بما في ذلك تبرير ودعم الديكتاتورية السابقة’.

الكحلاوي يعتبر الباجي قائد السبسي ذاته رمزا من رموز حقبة بن علي، رغم ان الرجل يصرّ على ارتداء عباءة البورقيبية باستمرار، ويعلل الكحلاوي ذلك بالقول إن السبسي كان وزير خارجية بورقيبة ووزيرا للداخلية ثم كان عضوا للجنة المركزية في حزب بن علي ورئيسًا للبرلمان في عهده.

وربما يكون الالتقاء الرئيس بين حزبي التجمع والنداء، حسب الكحلاوي، يكمن في المضمون، فالبرنامج الوحيد لنداء تونس الى حد الان هو ‘التخويف من خطر الاسلاميين الذين يعتبر وجودهم خطرا على الديمقراطية، وهو ما برره حزب التجمّع سابقا ومهد بموجبه للضربة الامنية التي استهدفت الاسلاميين في تونس في التسعينات’.

لسنا تجمّعيين!
القسم العربي نقل الاتهامات الى القيادي البارز بحركة ‘نداء تونس’ السيد الطيب البكوش الذي كان وزير التربية والناطق الرسمي باسم الحكومة التونسية المشكلة بعد ثورة 14 يناير، وكان رئيسًا للمعهد العربي لحقوق الانسان.

البكوش لم يستغرب الاتهامات لحركة نداء تونس بأنها تمثل حزب الرئيس بن علي، ويقول: ‘ليست اتهامات جديدة فنحن نسمعها كل يوم والغاية منها تشويهنا… حركتنا تضم أناسا مستقلين، ونحن لا نخالف القانون، فكل مواطن يتمتع بحقوقه السياسية يحقّ له ممارسة النشاط السياسي والحزبي، وحده القضاء يحقّ له سحب تلك الحقوق’.
ويؤكد أن أعضاء حزبه ‘ليس ضدهم أي شيء’ وهو ما يجعل الاتهامات الموجهة اليهم ‘سخيفة’، على حدّ تعبيره.
ويرى القيادي بنداء تونس ان التشنج الذي تبديه الترويكا الحاكمة تجاه حزبه مردّه ‘الشعور بالفشل من قبل الحكومة في تحقيق ما تشكلت من أجله اذ انها لم تحقق اهدافها ولم تحرر الدستور بعدُ، ولم تنظم انتخابات كما وعدت، ومشاكل الاقتصاد تفاقمت، وثانيا، هم لاحظوا انخراطا وإقبالاً كثيرا من المواطنين على حركتنا، وهذا امر يُرعبهم’، على حدّ تعبيره.

مشروع لإقصاء التجمعيين
حزب ‘المؤتمر من أجل الجمهورية’ الذي يتزعمه الرئيس الحالي المنصف المرزوقي، كان قد تقدم بمشروع قانون إلى المجلس التأسيسي يقترح إقصاء التجمعيين (حزب التجمع المنحل) من المشاركة في الحياة السياسية لمدة خمس سنوات.

وينص المشروع على ‘منع كل من تحمل مسؤولية في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل كخطة أمين عام أو أمين عام مساعد أو عضو في اللجنة المركزية أو في لجنة التنسيق أو عضو جامعة أو رئيس شعبة’.

وكان عدد من الأحزاب على غرار حزب المبادرة وحزب الاتحاد الوطني الحر والحزب الدستوري الجديد ونداء تونس قد انتقدت مشروع إقصاء التجمعيين.
ويرى حزب نداء تونس أنّ المشروع يستهدفه وبالأساس، ويقول الطيب البكوش ان اقصاء التجمعيين لا يكون إلا بقرارات قضائية لا قرارات سياسية، وان حصل وتم اقصاء التجمعيين بقرارات سياسية، فنداء تونس سيطعن لدى المحاكم الدولية التي تناهض العقوبات الجماعية والإقصاء السياسي، على حدّ تعبيره.
الدكتور طارق الكحلاوي عن حزب المؤتمر يؤكد للقسم العربي انه لا نية للإقصاء بدليل ان الترخيص الذي يعمل على اساسه ‘نداء تونس’ تم تقديمه من الحكومة الحالية، لان القانون فوق الجميع.

لكن الكحلاوي يؤكد ‘وجود نية لدى قواعد الترويكا الحاكمة التي تتشكل من 3 أحزاب، للجوء الى المجلس التأسيسي لإقصاء من تولوا مناصب في حزب بن علي، على اعتبار ان عودة رموز الديكتاتورية في هذه الظروف قد يكون معرقلا لتطبيق الديمقراطية، وهذه قرارات اتخذت في دول أخرى سبق وان شهدت ثورات على الاستبداد’.

شاهد أيضاً

الجيش الإسرائيلى يطلق النار على مقر الأمن الوقائى فى نابلس

الجيش الإسرائيلى يطلق النار على مقر الأمن الوقائى فى نابلس